Voice of Preaching the Gospel

vopg

نيسان April 2010

ينظر علماء النفس، والاجتماع، والفلسفة، اليوم، إلى العالم، فيجدوه غارقًا في الحرب، والخصام، والتنافر، والبغض، والأَنانية، والحسد، والطمع، والفجور، والعنف، والقسوة، والانحطاط، واليأَس، والموت. وحيث إنهم يشعرون بأَنهم معنيون لأَن يفعلوا شيئًا تجاه هذا الواقع المؤلم، تحدوهم الحميَّة العلمية والواجب الإنساني لأَن يقدموا علاجًا يأْملون أَن يؤول إلى خلاص البشرية من هذه الأَمراض الأَخلاقية المستعصية التي تفتك بها. وبحذاقة العلماء الذين يعرفون من أَين يبدأُون، أَي من الفرد، يقومون بتقديم العلاج، أَو النصيحة التالية: "اعرفْ نفسك"!

فهل تُجدي هذه النصيحة؟

تاريخية "اعرف نفسك"

عُزي القول "اعرف نفسك" إلى بروتاغوراس، أَحد معاصري الفيلسوف سقراط، وقد عاش في أَواخر القرن الخامس قبل الميلاد، وهو صاحب القول المشهور "الإنسان مقياس كل الأَشياء".

ومن هنا انطلقت دراسة الذات الإنسانية تقطع القرن تلو القرن، والإنسان باقٍ كما هو أَخلاقيًّا، إلى أَن وصلت إلى القرن السابع عشر بعد الميلاد، فتلقف الفيلسوف رينيه ديكارت عبارة "اعرف نفسك" وأَضاف إليها "تعرف الله". إذًا، الإنسان هو الحقيقة الأُولى والأَخيرة في الكون. وهنا شرع العُجب يعصف بعقل الإنسان وابتدأَ يؤلِّه ذاته.

تابعت دراسة الذات الإنسانية سيرها والإنسان يشمخ في عُجبه، شيئًا فشيئًا، إلى أَن وصلت إلى القرن العشرين، حين استغنى الفيلسوف جون بول سارتر عن وجود الله، وأَعلن أَن الإنسان هو الحقيقة النهائية في الكون، وما الله إلا "مشروع" يسعى الإنسان إلى تحقيقه، فالإنسان هو الخالق والمخلوق معاً؛ إذاً هو الله.

وفي اللحظة التي أَعلن فيها الإنسان أُلوهيَّته، سقط من علُ، وتحطَّم على صخرة الذات، يئن أَنين الطعين، ويطلق حشرجات الموت متقطعة، منتظرًا من يدفنه. هذه هي حالة الإنسان في أَوائل القرن الحادي والعشرين.

كان يمكن الإنسان أَن ينتبه إلى أَهمية معرفة ذاته، دون أَن يصل إلى تأْليه هذه الذات، لو فصل بين الذات كأَساس للشخصية الإنسانية، وبين الذات كأَصل للكبرياء والعجرفة. إن درس النفس الإنسانية يُغني البشر بفضيلة التواضع، ولكن إذا نحا الإنسان في درس نفسه منحى الادعاء الفارغ بعظمته، وهو كالعشب يزول، فإنه يتجه بمعرفته نفسه مسالك العطب.  

ومع سير "اعرف نفسك" في التاريخ، برزت العبارة "انكر نفسك" على فم الرب يسوع، وهي برغم قسوتها وصعوبة قبولها، استطاعت أَن تفعل فعلها المُجدي، في حياة الأَفراد والشعوب، وتحقق للإنسان اكتشاف نفسه الحقيقية.

المسيح و"انكر نفسك"

لقد استمع البشر قرونًا إلى ما يقوله البشر، فهل يستمعون اليوم إلى ما يقوله المسيح؟ "مَنْ أَرَادَ أَنْ يَأْتِيَ وَرَائِي فَلْيُنْكِرْ نَفْسَهُ وَيَحْمِلْ صَلِيبَهُ وَيَتْبَعْنِي. فَإِنَّ مَنْ أَرَادَ أَنْ يُخَلِّصَ نَفْسَهُ يُهْلِكُهَا، وَمَنْ يُهْلِكُ نَفْسَهُ مِنْ أَجْلِي وَمِنْ أَجْلِ الإِنْجِيلِ فَهُوَ يُخَلِّصُهَا" (مرقس 34:8-35).

إن الصعوبة في قبول مشورة المسيح تكمن في أَن العقل البشري يسير في طريق تتباين مع فكر المسيح. فالإنسان لا يريد أَن ينكر نفسه ويأْتي بغيرها، فهي عزيزة عليه، فلقد رباها وعشقها وتعاهد معها، وهو لن يقبل مطالب المسيح لأَنها تقضي على آماله وتميتها. فالإنسان الذي يريد أَن يدخل الحياة المسيحية، يجب أن يمر بالصليب، وهناك يُصلب، ويموتُ ويدفنُ وفي اليوم الثالث يقوم إنسانًا جديدًا، ينسجم في حياته مع مبادئ المسيح، ويقبل دعوة الاتِّباع، فلا حياة لأَي شيء بلا موت.

الذات الحقيقية

وهنا يبرز السؤال: كيف يستطيع الإنسان أَن ينكر نفسه ويكونها في الوقت ذاته؟ يجيب المسيح: أَنا هو نفسك الحقيقية، أَيها الإنسان، أَنا حياتك (تثنية 30: 20؛ كولوسي 3: 4)، ففي اللحظة التي ينكر فيها الإنسان نفسه يصبح المسيح نفسَه الحقيقية.

يريد المسيح بعمله هذا أَن يخلص الإنسان من نفسه، ويعطيه ذاته هو بدلاً منها. لهذا وجَّه المسيح الأَنظار إليه فقط، لأَنه بواسطة الإيمان به يستطيع الإنسان أَن يحصل على ذاته الحقيقية.

والحق يُقال إن الإنسان شقي لأَنه فقد ذاته الحقيقية ولا يزال يبحث عنها. لقد مرَّ عليه قرون وهو في هذه الحالة إلى أَن جاء المسيح، وأَعلن أَنه هو الذات الحقيقية التي ينشدها البشر. فمن يقبل دعوته ويأْتي إليه، يجد ذاته الحقيقية. ومن يرفض دعوته مدَّعيًا أَنه وجدها، أَو يجدها في غيره، فمسكين هو، فلقد خُدِع بذاتٍ مزيَّفة.

اعرف المسيح

ينبغي أَن نعرف المسيح إن كنا نود الخلاص من شرورنا. فمعرفة الإنسان نفسه تقوده إلى معرفة الشر الذي فيه. ولكن معرفتنا للمسيح تقودنا إلى معرفة طبيعة الإنسان الصحيحة، ذلك المخلوق بحسب الله في البر والقداسة الحقيقية (أَفسس 4: 24). فالإنسان مخلوق ساقط، أَما المسيح فهو الإنسان الأَسمى، الإنسان الأَصيل الكامل. فعندما نعرف ما فينا من شر وما في المسيح من صلاح، ونرضى أَن نستبدل الشر بالصلاح، نأْتي بذواتنا إلى الصليب، وهناك تموت الذات، وتُدفن، فتحيا من جديد بعد أَن تكون "الذات الأَسمى"، أَي المسيح، قد تأَصلت فيها.

معرفة الإنسان بنفسه لا تمكنه من الارتفاع إلى مستوى أَخلاقي أَعلى، لأَن الإنسان لا يستطيع أَن يصل إلى ما لا يعرفه، وأَيضًا لا يستطيع أَن يصل إلى ما يتصوَّره من كمال. لهذا السبب، ينبغي على الإنسان أَن يعرف المسيح لأَن هذه هي الوسيلة الوحيدة لرفع مستوى الإنسان، وتغيير صورته الممسوخة لتعود إلى ما كانت عليه، إلى صورة الله ومثاله.

اختبار بولس الرسول

لقد أَدرك بولس الرسول هذا السر في المسيحية، وعرف أَين توجد الحلقة المفقودة ما بين معرفة النفس ومعرفة المسيح، فكتب عن نفسه بعدما عرفها قائلاً: "أَنَا جَسَدِيٌّ مَبِيعٌ تَحْتَ الْخَطِيَّةِ... أَنْ أَفْعَلَ الْحُسْنَى لَسْتُ أَجِدُ... الشَّرَّ حَاضِرٌ عِنْدِي... نَامُوسِ الْخَطِيَّةِ كَائِنِ فِي أَعْضَائِي... وَيْحِي أَنَا الإِنْسَانُ الشَّقِيُّ! مَنْ يُنْقِذُنِي مِنْ جَسَدِ هذَا الْمَوْتِ؟" (رومية 7: 14-24).

وهنا، وقد جرف ببولس السيل، وهاج به البحر، فإذا به يصرخ مستدركًا: "أَشكر الله بيسوع المسيح ربنا". لقد عبر بولس الجسر بين الموت والحياة.

يصل الإنسان إلى ذروة المعرفة بنفسه عندما يدرك أَنه خاطئ، وهنا فقط يُعلن سرُّ الصليب. ولا معنى للصليب للذين يرون في أَنفسهم البر، وكل معنى الحياة هو في الصليب لمن أَدركوا فظاعة الخطية في نفوسهم.

على هذا الأَساس أَتى بولس إلى الصليب، وجاز الصلب، والموت، والدفن، والقيامة ظافرًا بنفس جديدة، وذات أَسمى، هي المسيح الحي فيه: "مَعَ الْمَسِيحِ صُلِبْتُ، فَأَحْيَا لاَ أَنَا، بَلِ الْمَسِيحُ يَحْيَا فِيَّ. فَمَا أَحْيَاهُ الآنَ فِي الْجَسَدِ، فَإِنَّمَا أَحْيَاهُ فِي الإِيمَانِ، إِيمَانِ ابْنِ اللهِ، الَّذِي أَحَبَّنِي وَأَسْلَمَ نَفْسَهُ لأَجْلِي" (غلاطية 20:2).

ويقول في رسالة فيلبي 3: 10-11: "لأَعْرِفَهُ، وَقُوَّةَ قِيَامَتِهِ، وَشَرِكَةَ آلاَمِهِ، مُتَشَبِّهًا بِمَوْتِهِ، لَعَلِّي أَبْلُغُ إِلَى قِيَامَةِ الأَمْوَاتِ"، ولقد قام!

سُئل مرة الدكتور السير سمبسون مخترع البنج: "ما هو أَعظم اكتشاف اكتشفته في حياتك؟" فأَجاب: "عندما عرفت نفسي بأَنني خاطئ هالك، وأَن يسوع هو مخلصي".

مصيران

نعم، إنسان القرن الحادي والعشرين هو جثة الآن. يرقد تحت التراب، فهو تراب وإلى التراب قد عاد. ابتدأَ حياته بمعرفة نفسه، وفي شبابه عرف الله من خلال نفسه، وفي رجولته استغنى عن الله، وأَلَّه نفسه، وأَتمَّ "مشروعه" حيث يرقد الآن.

أَما الذين قبلوا المسيح مخلصًا فلم يبدأُوا من أَنفسهم ليعرفوا أَنفسهم، ولا بدأُوا من الله ليعرفوا الله، بل بدأُوا بيسوع المسيح، الإله – الإنسان، فعندما عرفوه، عرفوا أَنفسهم، وعرفوا الله. وكل معرفة عن النفس، وعن الله، لا تبدأُ من يسوع المسيح، تنتهي إلى لا شيء، فإن المسيح وحده هو الذي يتضمن جوهر الله الكامل وجوهر الإنسان الكامل. هؤلاء وصلوا إلى الحياة الفضلى.

مشروع الله

من هنا ننطلق لنفنِّد ادعاءات الفلاسفة، فالإنسان هو المشروع الذي يسعى الله لتحقيقه، وليس العكس، وهدفه من ذلك أَن يجعل من كل إنسان صورة مطابقة لشخصية المسيح: "لأَنَّ الَّذِينَ سَبَقَ فَعَرَفَهُمْ سَبَقَ فَعَيَّنَهُمْ لِيَكُونُوا مُشَابِهِينَ صُورَةَ ابْنِهِ، لِيَكُونَ هُوَ بِكْرًا بَيْنَ إِخْوَةٍ كَثِيرِينَ" (رومية 8: 29).

إن كبرياء الإنسان أَذلَّته، أَما نعمة الله فهي القادرة بالمسيح أَن تجعل من الإنسان ابنًا لله. فالمسيح يقول: "صَدِّقُونِي أَنِّي فِي الآبِ وَالآبَ فِيَّ" (يوحنا 14: 11)، و"أَنَا فِي أَبِي، وَأَنْتُمْ فِيَّ، وَأَنَا فِيكُمْ" (يوحنا 14: 20)، و"أَنَا فِيهِمْ وَأَنْتَ فِيَّ" (يوحنا 17: 13). وهنا نجد سرَّ التحامنا بالابن وبالآب، ومشاركة الله لنا بقداسته (2بطرس 1: 4) في المسيح الوسيط بين الله والناس.

هذا من جهة قصد الله، أَما من جهة تطبيق هذا القصد في حياتنا اليومية في هذا العالم، فيقول الرسول بولس: "وَنَحْنُ جَمِيعًا نَاظِرِينَ مَجْدَ الرَّبِّ بِوَجْهٍ مَكْشُوفٍ، كَمَا في مِرْآةٍ، نَتَغَيَّرُ إِلَى تِلْكَ الصُّورَةِ عَيْنِهَا، مِنْ مَجْدٍ إِلَى مَجْدٍ" (2كورنثوس 3: 18)؛ و"إِلَى أَنْ نَنْتَهِيَ جَمِيعُنَا إِلَى وَحْدَانِيَّةِ الإِيمَانِ وَمَعْرِفَةِ ابْنِ اللهِ. إِلَى إِنْسَانٍ كَامِل. إِلَى قِيَاسِ قَامَةِ مِلْءِ الْمَسِيحِ" (أَفسس 4: 13).

وفي العالم العتيد عندما يكتمل قصد الله بشكل نهائي تام، يقول الرسول بطرس: "الَّذِي دَعَانَا بِالْمَجْدِ وَالْفَضِيلَةِ، اللَّذَيْنِ بِهِمَا قَدْ وَهَبَ لَنَا الْمَوَاعِيدَ الْعُظْمَى وَالثَّمِينَةَ، لِكَيْ تَصِيرُوا بِهَا شُرَكَاءَ الطَّبِيعَةِ الإِلهِيَّةِ" (2بطرس 1: 4). وهذا ما يؤيده الرسول يوحنا بالقول: "وَلكِنْ نَعْلَمُ أَنَّهُ إِذَا أُظْهِرَ (المسيح) نَكُونُ مِثْلَهُ، لأَنَّنَا سَنَرَاهُ كَمَا هُوَ" (1يوحنا 3: 2). وهنا نرى تحقيق مشروع الله الذي صنعه ببذله ابنه لكي نصير جميعًا أَبناء الله.

دعوة وتحدّ

بناء على ما سبق، سنقف على قبر القرن الحادي والعشرين ونقول: "أَيها الراقد قم من بين الأَموات باسم يسوع". ولن نتعجب إن اصطفَّت العظام، وتناسقت، ووقفت جيشًا عظيمًا جدًّا جدًّا، فيسوع هو القيامة والحياة.

ولا يوجد أَفضل مما كتبه الفيلسوف المسيحي سي. إس. لويس فنضعه في ختام هذا البحث:

سلم نفسك للمسيح تجد نفسك الحقيقية.

افقد ذاتك تخلصها. اخضع للموت بكل ما في كيانك تجد الحياة الأَبدية. اطلب نفسك فلا تجد أَخيرًا سوى البغضاء، والوحشة، واليأْس، والغضب، والخراب، والفساد. اطلب المسيح تجده ومعه كل شيء.

المجموعة: 201004

logo

دورة مجانية للدروس بالمراسلة

فرصة نادرة تمكنك من دراسة حياة السيد المسيح، ودراسة حياة ورسائل بولس الرسول. عندما تنتهي من هاتين الدراستين تكون قد أكملت دراسة معظم أسفار العهد الجديد. تتألف كل سلسلة من ثلاثين درسًا. تُمنح في نهاية كل منها شهادة خاصة. للمباشرة

صوت الكرازة بالإنجيل

Voice of Preaching the Gospel
PO Box 15013
Colorado Springs, CO 80935
Email: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
Fax & Tel: (719) 574-6075

عدد الزوار حاليا

157 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

إحصاءات

عدد الزيارات
3089552