Voice of Preaching the Gospel

vopg

الدكتور مفيد إبراهيم سعيدنعلم أن معجزات المسيح التي أجراها على الأرض – في حياته بيننا – كانت في حد ذاتها أعمال رحمة إلى جانب كونها معجزات إلهية خارقة. بيد أنها كانت أيضًا تشير إلى معجزات روحية أسمى يقوم بها المسيح في حياتنا. وهذه المعجزة المذكورة في الأصحاح التاسع من إنجيل يوحنا – التي فيها خلق يسوع البصر – من طين – لمولود أعمى، تشير أيضًا إلى أنه يفتح عيوننا الداخلية... يفتح بصائرنا... يعطينا حياة جديدة ترى العالم... ترى الناس... ترى الله وبشكل لم تكن تظهره من قبل.

في إنجيل يوحنا 12:8 قال المسيح: "أنا هو نور العالم." وفي الأصحاح التاسع قال: "ما دمت في العالم فأنا نور العالم." (يوحنا 5:9) وقد برهن يسوع عن صحة قوله هذا بطريقة عملية بأن أعطى نورًا لإنسان وُلد أعمى كما أنه يعطي الآن نورًا لكل إنسان قد أعمته الخطية وأفقدته البصر والبصيرة.
حين التقى المسيح بهذا المولود أعمى، سأله تلاميذه عمن أخطأ، حتى وُلد هذا الإنسان أعمى، لا بد أن واحدًا قد أخطأ. أهو الأب أم الأم أم هذا الابن الأعمى؟ وهنا أجابهم المسيح إجابة تحتاج أن نسمعها مرارًا كثيرة حين ندين إنسانًا متألّمًا. قال المسيح: "لا هذا أخطأ ولا أبواه، لكن لتظهر أعمال الله فيه." (يوحنا 3:9) هناك آلام تأتينا لتنقّينا، وهناك آلام تأتينا – لا لأننا أخطأنا – ولكن لأن الله يريد أن يعطينا شركة أعمق، وأن يُظهر لنا قدرته، ليتمجّد فينا.
لا شك أن الألم دخل هذا العالم نتيجة الخطية حين سقط آدم، ونتيجة الخطية هي موت، وكل ما يجرّ الموت يجلب الألم. لكن هذا الألم الذي دخل إلى العالم لم يعد يفرّق بين مخطئ وغير مخطئ، كما إنه لا يفرق بين مؤمن وغير مؤمن فهو يصيب هذا كما يصيب ذاك. ولو أن الله حمى المؤمنين من الآلام، ما كان إيمانهم عن اختيار وعن رغبة شخصية، بل هروبًا من الألم وهروبًا من المرض.
قال المسيح: "لا هذا أخطأ ولا أبواه، ولكن لتظهر أعمال الله فيه." ولقد ظهرت أعمال الله فعلاً في هذا الإنسان الذي كان يمثل كل إنسان في هذه الحياة – يمثل كل إنسانٍ وُلد في الخطية، وكلنا كذلك ولدنا عميانًا. نعم، عيوننا مفتوحة ونرى المادة المنظورة من حولنا، ولكننا لا نرى ما وراء المنظور. نرى أنفسنا، نرى الناس تتحرّك حولنا، لكننا لا نرى الله لأننا لا نرى عظمة الله ومحبته في كل ما نرى، وهذا هو العمى الروحي! وهذه الخطية التي ولدنا فيها وعشنا، يمكن أن يتمجّد الله في تطهيرنا منها تمامًا، كما تمجد في شفاء هذا المولود أعمى.
تقدم المسيح من المولود أعمى، وتفل على الأرض وصنع من التفل طينًا، وطلى بالطين عيني الأعمى. ما أعجب هذه الوسيلة لشفاء العمي! الطين لو وضع في عين مبصرة لأعماها، لكن الطين في يد المسيح حين يوضع على العين العمياء يجعلها تبصر. كل وسيلة نستخدمها نحن البشر – حتى وإن كانت صالحة قد تسيء إلى غيرنا، لكن أي شيء في يد المسيح – حتى وإن كان طينًا – يستطيع المسيح أن يستخدمه لكي يفتح به أعين العميان. حتى الشرور التي تحدث في هذا العالم... فإن إلهنا قادر أن يخرج منها خيرًا، فهو القادر على أن يخرج من الآكل أُكلاً ومن الجافي حلاوة. إن المسيح حين وضع الطين على عيني الأعمى، كان في الواقع يعيد خلق هاتين العينين. لقد خلق الله الإنسان... (في الخليقة الأولى) من الطين. وقد استخدم المسيح الطين في هذه المعجزة لكي يرجع إلى ذات الوسيلة التي خلق بها الإنسان، لكي يخلق عينين لهذا الإنسان الذي وُلد أعمى... لأنه هو الله الذي خلق الإنسان من الطين كما خلق العينين الآن من الطين.
إن هذا الطين هو الوسيلة التي يستخدمها المسيح في هذه الحياة لكي يفتح أعين العميان. أي واعظ وأي خادم ليس سوى وسيلة في يد المسيح. ليس الطين هو الذي أعطى هذا الإنسان بصرًا، فالطين – في حدّ ذاته – كان يمكن أن يعمي العين المبصرة... لكن الذي أعطى هذا الإنسان بصرًا هو المسيح. استخدم المسيح الطين لكي يعطي بصرًا لهذا الإنسان... والمسيح يستخدم الوعاظ ويستخدم الخدام، ويستخدم كلمة الوعظ كطين في يديه لكي يفتح به أعين العميان. حذار أيها الإخوة إن كنا نخدم، أن نتصور أننا مصدر ثمر الخدمة، وأن النفوس التي تخلص والتي تبصر والتي تنال حياة – قد تحقّق لها ذلك بفضلنا أو نتيجة خدمتنا – لأن المسيح هو الذي يمنحها الحياة. دعونا نتذكر دائمًا أننا لا نزيد عن هذا الطين الذي يستخدمه المسيح لكي يعطي بصرًا لأعمى.
كان في مقدور المسيح أن يشفي هذا الأعمى بكلمة، لكنه شاء أن يستخدم الطين لكي يعطي بصرًا. وفي حكمته يستخدم البشر أحيانًا، ويستخدم الأدوية أحيانًا لكي يعطي شفاء... لكن، لا الدواء ولا الطبيب، لكن المسيح الذي استخدم هذا الطين وهو الذي يشفي ويعطي البصر.
ثم كيف تم شفاء هذا الإنسان؟ لقد تم ذلك بطريقة غريبة، فقد وضع المسيح الطين على عينيه وقال له: اذهب اغتسل في بركة سلوام الذي تفسيره "مرسل". كان من الممكن جدًا أن يقول هذا الأعمى في نفسه: لو أنه يستطيع أن يشفيني لشفاني بكلمة وأنا هنا أمامه، أما أن يأمرني أن أذهب إلى بركة بعيدة، فلعله يريد أن يتخلّص مني. هو يأمرني أن أذهب بعيدًا حتى لا أواجهه ثانية بعجزي... بعماي! كان من الممكن جدًا أن يقول هذا. ولكن ذلك الأعمى أبصر لأنه أطاع المسيح وخضع لإرادته. وهكذا نحن أيضًا – نفقد بركات كثيرة في حياتنا حين نجادل الله وحين نشك في قدرته وحين نمتنع عن طاعته. طريق البركة والسعادة في الحياة المسيحية، هو طريق الطاعة والخضوع لإرادة المسيح؛ حتى وإن كنا لا نفهم، وحتى إن كانت أوامره تتعارض أحيانًا مع إرادتنا.
لقد شفى المسيح أكثر من أعمى واستخدم في شفائهم أكثر من وسيلة. التقى ببرتيماوس الذي كان يجلس على قارعة الطريق إلى أريحا، وكان أعمى وقال له المسيح: ماذا تريد أن أفعل بك؟ فقال: يا سيد، أن أبصر. فأبصر في الحال بكلمة. وهنا يلتقي بالمولود أعمى ويعطيه بصرًا، ولكن لم يكن ذلك عن طريق كلمة، وإنما عن طريق طين طلاه على عينيه وأمره أن يذهب ليغتسل في بركة سلوام. لنفترض أن هذين الأعميين بعد أن نالا بصرًا التقيا معًا. أيمكن أن يقول الواحد منهما للآخر: أنت لا تبصر لأن المسيح لم يستخدم معك ذات الوسيلة التي استخدمها معي. أيها الأحباء، إن المسيح يستخدم في تجديد الناس وسائل مختلفة، لأنه يتعامل مع كل إنسان كإنسان مستقلّ. لأن كل فرد يختلف عن غيره في الحياة. لا يوجد إنسان يتشابه تمامًا مع آخر، الله لم يخلقنا صورًا كربونية من بعضنا البعض، لكنه خلق كل واحد منا وله شخصيته وميوله وطباعه. وهو يتعامل مع كل فرد على أساس هذه الصفات. لكننا أحيانًا – ندين غيرنا وأحيانًا نتشكك في خلاصنا، لأن المسيح استخدم في خلاصنا أو في خلاص غيرنا وسيلة تختلف عن الوسيلة التي استخدمها معنا. المخلص واحد والخلاص واحد بالنعمة الواحدة وبالكفارة الواحدة، لكنه أحيانًا يستخدم واعظًا، وأحيانًا يستخدم ترنيمة أو أية وسيلة يراها هو.
دعونا لا ندين غيرنا ونقول: هذا لم يخلص لأنه لم يشعر بذات الشعور الذي شعرنا نحن به وقت الخلاص... دعونا لا نبني خلاصنا على أي أمر مادي بل نبني خلاصنا على كلمة الله وأن "دم يسوع المسيح ابنه يطهرنا من كل خطية." (1يوحنا 7:1)
ثم دعونا نتدرج مع هذا الإنسان الذي كان أعمى لنرى النمو الروحي الذي مرّ فيه. النقلة الأولى هي النقلة الأساسية: انتقل من العمى إلى البصر، من الظلمة إلى النور، أصبح مبصرًا ولن يعود ثانية إلى العمى. وبعد أن أبصر تدرّج في معرفة المسيح. لما سألوه أولاً: كيف انفتحت عيناك؟ أجاب: إنسان يقال له يسوع صنع طينًا وطلى بالطين عيني وقال لي: اذهب إلى بركة سلوام واغتسل. أي إنه عرف المسيح في بادئ الأمر كإنسان، ولم يكن يعرف حتى اسمه، "يقال له يسوع." وهذه كانت معرفته الأولى عن المسيح بعد أن نال الشفاء. ولما أعادوا استجوابه مرة ثانية قائلين: "ماذا تقول أنت عنه؟" قال "إنه نبي". هنا بدأ إدراكه يزيد وبدأ بصره يتفتّح على أمور روحية لم يكن يعرفها. ولما سألوه مرة أخرى، أجاب قائلاً: "نعلم أن الله لا يسمع للخطاة ولكن إن كان أحد يتقي الله ويفعل مشيئته فلهذا يسمع... لو لم يكن هذا من الله لم يقدر أن يفعل شيئًا." عرف أنه من الله. وأخيرًا حين التقى معه المسيح بعد أن أخرجوه خارجًا قال له المسيح: "أتؤمن بابن الله؟" قال: "من هو يا سيد لأؤمن به؟" قال له يسوع: "قد رأيته والذي يتكلم معك هو هو." فقال: "أومن يا سيد" وسجد له.
في بادئ الأمر لم يكن المسيح بالنسبة له أكثر من إنسان، ثم عرف فيه نبيًا، ثم أيقن أنه من عند الله، إلا أنه في النهاية عرف أنه ابن الله وسجد له. هذا هو النمو الروحي. لا ينبغي أن تكون مسيحيتنا مسيحية راكدة، أو مسيحية مترددة. أولاً ينبغي أن ننتقل من العمى إلى البصر، من الموت إلى الحياة، بأن نأتي إليه معترفين بعمانا وبعجزنا عن أن نشفي أنفسنا. والأعمى أفضلُ مثلٍ للخاطئ، لأنه لا يستطيع أن يشفي نفسه، ولا يستطيع أحد من البشر أن يشفيه، لنأتِ إلى المسيح كعميان عاجزين عن شفاء أنفسنا، وأن نلتجئ إليه وحده، الذي دفع ثمن خطيتنا، ونؤمن أنه أعطانا بصرًا... حياة جديدة لأنه مات لكي يحيينا ودُفن لكي يقيمنا. وبعد ذلك لا ينبغي أن تقف مسيحيتنا عند المعرفة الأولى، لا بد أن ننمو ونتعمّق طول الوقت في معرفة كلمته، وفي الشركة معه في الصلاة، وفي سماع صوته لنا. لنكن أكثر إحساسًا بصوته اليوم مما كنا بالأمس. لنكن أكثر خضوعًا لكلمته مما كنا بالأمس. لنتدرج في معرفته لنؤمن به، ليس فقط مخلصًا، بل نؤمن به ربًا وإلهًا، وسيدًا على الحياة.
بدأ الأعمى بعد ذلك يواجه اضطهادًا، وهو أمر لا مفرّ منه "لأنه قد وُهب لكم لأجل المسيح لا أن تؤمنوا به فقط بل أيضًا أن تتألّموا لأجله." (فيلبي 29:1) إنها هبة أن نُحسب أهلاً لأن نتألم من أجله. يقول الكتاب: "فأخرجوه خارجًا." والجميل أن الآية التالية تقول: "فسمع يسوع أنهم أخرجوه خارجًا فوجده." لا يمكن أن يُضطهد إنسان من أجل المسيح ولا يجده المسيح ويكون في انتظاره. هم ضربوه ونبذوه ولكن المسيح في الحال أدخله في شركته وضمّه إليه. دعونا نتذكر أن سيدنا يرانا ويعرف ضيقتنا ولا يمكن أن ينسانا. ونحن في هذه البرية نلاقي صعابًا من أجله ولكنه يهبّ لنجدتنا. حين كان الأعمى بينهم أحاطوه وأحبّوا أن يكون معهم. ولكن حين أبصر، جعل يؤرق ضمائرهم. العميان يرحبون بالعميان، ولكن إن أبصر واحد في وسطهم فإنهم يلفظونه. العالم الأعمى عن أن يرى المسيح، يلفظ كل من يخرج من العمى ويعرف المسيح وينال بصرًا. والعميان الذين نالوا في المسيح بصرًا وبصيرة يجدهم المسيح ويرحب بهم.
وأخيرًا، لخّص المسيح هذه المعجزة بقوله: "لدينونة أتيت أنا لهذا العالم." هو لم يأتِ ليدين – أساسًا – بل جاء لكي يخلص. ولكن موقف الإنسان من هذا المخلص هو الذي يمكن أن يجعل المسيح ديّانًا له ويضع دينونته عليه. لما شفى يسوع هذا الأعمى – حدث انشقاق بينهم. قال عنه واحد: هذا خاطئ لأنه يصنع معجزات يوم السبت. وآخرون... لعلهم قالوا: لا بد أن يكون من الله، كما قال ذلك الأعمى. ولعل البعض قال: نحن لا ندري. إن موقف الناس من المسيح يجعل المسيح بالنسبة للبعض – الذين يقبلونه – مخلصًا ورافعًا للدينونة، ويجعله بالنسبة لرافضيه ومنكريه واضعًا للدينونة عليهم. قال: "لدينونة أتيت أنا إلى هذا العالم، حتى يبصر الذين لا يبصرون (وهم يعرفون أنهم لا يبصرون) ويعمى الذي (يظنون أنهم) يبصرون."
دعونا نأتي إليه معترفين بخطايانا، عارفين بعجزنا، لننال فيه بصرًا وحياة ونموًّا، ونسجد له قائلين: "ربي وإلهي."

* * * * * ** * *

 

همسات القلب

في إحدى مستشفيات أمريكا أمر الطبيب الممرضة أن تضع للطفل قطرة في عينيه، فأخطأت الممرضة ووضعت قطرة من نوع آخر شديدة التأثير على العين فاحترقت عيني الطفل، وقرر أطباء المستشفى أن الطفل سيعيش أعمى طوال عمره. وقررت إدارة المستشفى إحالة الممرضة إلى التحقيق.
اجتمعت ممرضات المستشفى ليدافعن عن زميلتهن ويؤكدن أن ما حدث كان قضاء وقدرًا، وعندما علمت الممرضة بذلك رفضت، وقالت لزميلاتها:
"بدلًا من أن تكتبن طلبًا لإنقاذي من التحقيق الذي قد يصل لفصلي من العمل... اكتبن طلبًا للسماء تطلبن فيه ردّ بصر الطفل البريء".
ركعت كل الممرضات طوال الليل يصلّين إلى الله لكي يشفي عين الطفل، واستمرّت صلوات الممرضات إلى تسع ليال، وفي اليوم العاشر فوجئ الطبيب بأن بصر الطفل بدأ يعود إليه. وسجل المستشفى أغرب حدث في تاريخ طب العيون.
إن السماء تبدو بعيدة عنا لكنها تسمع دائمًا همساتنا وصلواتنا.
اتَّجِهْ إلى السماء وقل: يا رب! قلها من كل قلبك، فإن الله يسمع همسات القلوب! "وكل ما تطلبونه في الصلاة مؤمنين تنالونه." (متى 22:21)
إن الصلاة ليست مجرّد كلام وحديث مع الله فقط، لكنها حياة المؤمن مع الله. هي ذبيحة سكب القلب بين يديه. إنها الصلاة التي أخرجت بطرس من السجن... وجعلت القديس أغسطينوس قديسًا عظيمًا.
"اسألوا تعطوا. اطلبوا تجدوا. اقرعوا يفتح لكم."

المجموعة: حزيران (يونيو) 2017

logo

دورة مجانية للدروس بالمراسلة

فرصة نادرة تمكنك من دراسة حياة السيد المسيح، ودراسة حياة ورسائل بولس الرسول. عندما تنتهي من هاتين الدراستين تكون قد أكملت دراسة معظم أسفار العهد الجديد. تتألف كل سلسلة من ثلاثين درسًا. تُمنح في نهاية كل منها شهادة خاصة. للمباشرة

صوت الكرازة بالإنجيل

Voice of Preaching the Gospel
PO Box 15013
Colorado Springs, CO 80935
Email: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
Fax & Tel: (719) 574-6075

عدد الزوار حاليا

160 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

إحصاءات

عدد الزيارات
3317297