Voice of Preaching the Gospel

vopg

كانون الأول (ديسمبر) 2009

حتى الانتظارُ باتَ عقيماً هو الآخَر. فلقدْ فاتَني قطارُ الزمانْ، وزحفَ خريفُ العمر بِخُطاهُ الحثيثة إلى جسدي الذي راحَ يذبُل رُويداً رويداً. وأدركتُ عندها أنَّني فقدتُ الأملَ بالكليَّة في أنْ أصبحَ أمّاً كباقي الأمهات. وأضحَتِ الأمومةُ حالةً بعيدةَ المنالِ والمآل. وقبعْتُ هناكَ في بيتي إلى جانبِ زوجي أقومُ بأعماليَ الروتينيّة التي لم تَخْلُ من الرَّتابة والمَلَل.

وقَبِلْتُ بنصيبي الذي قسمَهُ الله لي. وتوقَّفْتُ عن الطلب من إلهي من أجلِ العطيَّة، وقلتُ لزوجي آنَذاك: هذه هي مشيئةُ الله يا زكريَّا، فَلنسلِّمْ لإرادتِه كيمَا نسْلَمَ، مع أنَّني لن أنجـوَ مـن تعييرِ الجيــران، ولا الأقـرباء. وعاري هــذا لا شــكَّ سيُرافقنـي إلـى نهـاية المطـاف وانقضاء الزمان.
لكن، وبينما أنا في هذه الحالِ من الاستسلامْ، حدَث ما لم يكنْ في البالْ. إذ عادَ يوماً زكريا من خدمته الكهنوتية في الهيكل، وكانَ صامتاً لا يتكلَّمُ بل يومِئُ بيديهِ مشيراً بِبَنانِهِ إلى السماء. وخِلْتُ للوهلةِ الأولى بأنَّ شيئاً ما قد أثَّر على فكره أو عقلِه. فجَزِعْتُ عليه وسالتْ دموعي مدراراً خَوفاً لأجلِه. ولمَّا رآني على هذه الحال، أخذَني بينَ ذراعيه وهدَّأ من رَوعي. وفهمتُ بعدئذٍ أنَّ سببَ خَرَسِه هو رسالةٌ من السماء بعثَ بها اللهُ له عن طريق خادِمِه الملاك جبرائيل. وعندما أعلَمني فحوى الرسالة بالإشارات،  شهقْتُ شهقةً قويةً كادتْ أن تُودي بحياتي من المفاجأة. ولكن ما هي إلا لحيظات حتى استجمعتُ قِواي وجلستُ هناكَ على المسنَدِ في إحدى زوايا الغرفة، ورحتُ أسرَحُ في بحرِ مخيِّلتي الواسع، علَّني أستطيعُ أن أمسِكَ بخيطٍ من نسيجِها الملوَّن، وأتمتَّعَ بصورةِ طفلٍ أَنعُمُ به بينَ ذراعَيّ. ولم أستفقْ من تلكَ الغفوةِ السحريَّة إلا على تربيتٍ على كتفي مصدَرُه زكريَّا العزيز. حاولتُ إخفاءَ دموعي لكنَّه أشارَ لي بِبنانِه بأن أتوقّفَ عن ذرفِ الدموع الغالية، وأن ننتظرَ معاً تحقُّقَ هذا الوعدِ الجميل.
ولم تمضِ بضعةُ شهورٍ حتى علمتُ في داخلي أنَّني بالحقِّ حامل، وأنَّ جنيناً حقيقياً ينمو في أحشائي. إلاَّ أنني وعلى الرَّغم من فرحتي الكبرى، لم أخبرْ أحداً لئلاَّ يتَّهموني بالجنون. فَهُمْ لا يعلمونَ حكمةَ الله، كلا ولا يدرُونْ. وهكذا كتمتُ الأمرَ مدةَ خمسةِ أشهر غدتْ بالنسبة لي خمسَ سنينٍ طويلة. أما لساني ومعه كلُّ كياني فلقد طَفِق يُنشدُ للرب صاحب العطية، فَرِحاً بفعله المجيد، وتوقيتِه السَّديد. حقّاً لقد نزعَ عاري بينَ الناس. وعُدْتُ لأرفعَ رأسي بين جيراني وخلاَّني وأقربائي.  وبينَما أنا في خُلوةٍ مع نفسي، أتمتَّعُ بعطيةِ الله العظيمة، وأفكرُ في إحسانه إليّ، إذا بي أسمَعُ وقْعَ أقدامٍ تقترب، فتسارعَتْ معه دقاتُ قلبي للحال. وما هي إلاَّ لُحيظات حتى قُرِع الباب. ولمَُّا فتحت فوجئتُ بمريمَ نسيبتي الفتيَّة، واقفةً عندَ الباب ووجهُها يطفُر بُشْراً، وعيناها تلمعانِ سروراً. لم أستطعْ أن أُمسِكَ نفسي، فوقعْتُ على عنُقِها ورحتُ أقبِّلها من دون توقُّف كما لو أنَّني  لم أرَها من قبلُ. وتزاحمت أفكاري وقررتُ في داخلي أن أفصحَ لها عن سرّي، وأخبرها بالخبر السعيد الذي طالَما انتظرْتُه طويلاً. لكنْ حدثَ فجأةً شيءٌ غريب، لأنَّه ما أن وصَل صوتُ سلامِها إلى أذنيّ حتى قفزَ الجنين بابتهاجٍ في بطني. وسرعانَ ما امتلأ فمي بتعابير مصدرُها روحُ اللهِ القدوس. وصرت أتفوَّه بكلمات لم أنطقْ بها من قبلُ، وقلتُ لها: "مُبَارَكَةٌ أَنْتِ فِي النِّسَاءِ وَمُبَارَكَةٌ هِيَ ثَمَرَةُ بَطْنِكِ! فَمِنْ أَيْنَ لِي هذَا أَنْ تَأْتِيَ أُمُّ رَبِّي إِلَيَّ؟ فَهُوَذَا حِينَ صَارَ صَوْتُ سَلاَمِكِ فِي أُذُنَيَّ ارْتَكَضَ الْجَنِينُ بِابْتِهَاجٍ فِي بَطْنِي فَطُوبَى لِلَّتِي آمَنَتْ أَنْ يَتِمَّ مَا قِيلَ لَهَا مِنْ قِبَلِ الرَّبِّ. (لوقا 42:1-45).
وقفتُ بعدها والذهولُ بادٍ على محيَّاي، من جرَّاء قوة الكلمات التي فُهْتُ بها. فلقد ظننتُ للوهلةِ الأولى أنَّ خبرَ حَمْلي وأنا في هذا العمرِ المديد، لَهوَ الخبرُ الوحيدُ المهم، لكنَّه لم يَعدْ يُقارَنُ بخبرِ إتمام الله للوعود ومجيءِ الطفلِ الموعود. نعم، هوذا مريم نسيبتي قد أضحَتْ أمّاً لربِّي وسيِّدي. ولهذا ارتكضَ الجنينُ بابتهاجٍ في بطني ممتلِئاً من الروح القدس. فالوعدُ سيتحقَّق من خلالِ حَمْلِ مريم للمنتظرِ الذي طالما انتظرَهُ الآباءُ والأجيال. وأدركتُ عندها أن الخبرَ السَّار هو قابعٌ في أحشاءِ مريم. بالحق ما أعجبَ طرُقَكَ أيُّها الآبُ السماوي، وما أروعَ توقيتَكَ في إتمامِ مواعيدِك. عندها أخبرتني مريم بكل ما قاله الملاك لها، وأنها ستلد طفلاً وتسميه يسوع. وسيكون عظيماً وابنَ العلي يُدعى. وهنا رَبَتُّ على كتفِ مريم مادحةً إيمانَها القويّ وثقتَها الكبيرةَ باللهِ المحبِّ الذي لم يَنْسَ شعبَهُ، بل سيتمِّمُ وعده بإرسالِ المنقذ الحقيقي.
وهنا بدأتْ مريم بدورِها تهتفُ وتنشدُ بكل غبطةٍ وتقول:
تُعَظِّمُ نَفْسِي الرَّبَّ، وَتَبْتَهِجُ رُوحِي بِاللهِ مُخَلِّصِي، لأَنَّهُ نَظَرَ إِلَى اتِّضَاعِ أَمَتِهِ. فَهُوَذَا مُنْذُ الآنَ جَمِيعُ الأَجْيَالِ تُطَوِّبُنِي، لأَنَّ الْقَدِيرَ صَنَعَ بِي عَظَائِمَ، وَاسْمُهُ قُدُّوسٌ، وَرَحْمَتُهُ إِلَى جِيلِ الأَجْيَالِ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَهُ. صَنَعَ قُوَّةً بِذِرَاعِهِ. شَتَّتَ الْمُسْتَكْبِرِينَ بِفِكْرِ قُلُوبِهِمْ. أَنْزَلَ الأَعِزَّاءَ عَنِ الْكَرَاسِيِّ وَرَفَعَ الْمُتَّضِعِينَ. أَشْبَعَ الْجِيَاعَ خَيْرَاتٍ وَصَرَفَ الأَغْنِيَاءَ فَارِغِينَ عَضَدَ إِسْرَائِيلَ فَتَاهُ لِيَذْكُرَ رَحْمَةً، كَمَا كَلَّمَ آبَاءَنَا. لإِبْراهِيمَ وَنَسْلِهِ إِلَى الأَبَدِ“ (لوقا 46:1-55).
تبتهج روحي بالله مخلِّصي. ما أشدَّ وقعَ هذه الكلمات يا مريم! فها أنتِ العذراءُ التي تحملينَ هذا الطفلَ الموعودَ والمميَّز، تصرِّحين بأنَّه مخلِّصُكِ أيضاً. فعلاً ما أجملَ كلماتِكِ هذه الغنيَّة بالمعاني العظيمة! فمرحىً لكِ يا نسيبتي، ومرحىً لإيمانك وثقتك الكبيرين. فإن الله قد افتقدَ شعبَه من خلال إرسال المخلص الموعود من أحشائِك. ويا له حقاً من امتيازٍ عظيم، وتوقيتٍ حكيم، لإتمامِ خطته منذ القديم في منحِ الخلاص العميم.  
وبعدَ هذه الأحداثِ العجيبة والمتسارعة، مكثتْ مريم عندي نحوَ ثلاثةِ أشهرٍ قضيناها سوياً ونحن نتمتعُّ بعطايا الله الجزيلة. ومن بعد ذلك مضت مريم إلى بيتها. أما أنا أليصابات الفرحة بما قسمَه الله لي في شيخوختي، وما أجزل به القدير عليّ من نعمةٍ سخيّة، فلقد تمَّتْ أيامي لأنجبَ طفلي. وأتى الطفلُ، و ما حسبتُه يوماً سراباً سرعانَ ما أصبحَ حقيقةً واقعة. وهكذا حملْتُ طفلي بينَ ذراعيَّ، وسطَ أهازيجِ الجارات وفرحِهِنَّ بي لِعُظم رحمةِ الله لي ولزكريا. وكتب زوجي اسم "يوحنا" على لوحٍ يوم ختانِ الصبي. وللحال انفتحَ فمُه ونطقَ بلسانه بعد صمتٍ طويل، وهتف مبارِكاً الله. لكنه عاد ففاهَ بكلماتٍ نبوية بليغةٍ بعد أن امتلأ بالروح القدس وقال:
”مُبَارَكٌ الرَّبُّ إِلهُ إِسْرَائِيلَ لأَنَّهُ افْتَقَدَ وَصَنَعَ فِدَاءً لِشَعْبِهِ، وَأَقَامَ لَنَا قَرْنَ خَلاَصٍ فِي بَيْتِ دَاوُدَ فَتَاهُ. كَمَا تَكَلَّمَ بِفَمِ أَنْبِيَائِهِ الْقِدِّيسِينَ الَّذِينَ هُمْ مُنْذُ الدَّهْرِ، خَلاَصٍ مِنْ أَعْدَائِنَا وَمِنْ أَيْدِي جَمِيعِ مُبْغِضِينَا. لِيَصْنَعَ رَحْمَةً مَعَ آبَائِنَا وَيَذْكُرَ عَهْدَهُ الْمُقَدَّسَ... وَأَنْتَ أَيُّهَا الصَّبِيُّ نَبِيَّ الْعَلِيِّ تُدْعَى، لأَنَّكَ تَتَقَدَّمُ أَمَامَ وَجْهِ الرَّبِّ لِتُعِدَّ طُرُقَهُ لِتُعْطِيَ شَعْبَهُ مَعْرِفَةَ الْخَلاَصِ بِمَغْفِرَةِ خَطَايَاهُمْ“ (لوقا 68:1-71 و 76-78).
قلت في نفسي:
حقاً، هل سيشتركُ طفلي أنا أيضاً في تحضيرِ الطريق للمخلصِ الفريد؟
أهذا حقاً ما تنبأ به الروح القدس على فمِك يا زكريا؟
أن يُدعى ابني يوحنا نبيَّ العلي؟
ويتقدَّمَ أمامَ وجهِ الرب لِيُعدَّ طريقَهُ ويُعَرّفَ شعبَهُ بالخلاص؟!!
آه، لكمْ أنا فرِحة؟ الدنيا كلُّها لم تعدْ تسَعُني يا زكريَّا. شكراً لله على عطيته، وتوقيته السَّديد. نعم، طفلي سيكونُ النبيَّ الذي سيتقدَّمُ المخلص، وسيتكلمُ للناس عن غفران الخطايا. إذن طفلي أنا، هو الممهِّدُ لطريقِ الفادي، ومنبئٌ لمجيءِ متمِّمِ الفداء، والمشيرُ إلى حامل خطايا العالم. يا لها فعلاً من رسالةٍ مفرحة يا صغيري، هذه التي تبعَثُ الأملَ والرجاء، وتُشعُّ النور والسلام في قلب الأنام. هيَّا، هيَّا إذن، إكبرْ بسرعة، ودَعْني أمتِّعُ عينيَّ برؤيتك وأنتَ تمهّدُ الطريق وتنشرُ رسالةَ السلام، السلام بين الله والإنسان، وكذا المسرّةَ بينَ الناس.   
أليصابات بنتُ هرون
زوجة زكريا الكاهن

المجموعة: 200912

logo

دورة مجانية للدروس بالمراسلة

فرصة نادرة تمكنك من دراسة حياة السيد المسيح، ودراسة حياة ورسائل بولس الرسول. عندما تنتهي من هاتين الدراستين تكون قد أكملت دراسة معظم أسفار العهد الجديد. تتألف كل سلسلة من ثلاثين درسًا. تُمنح في نهاية كل منها شهادة خاصة. للمباشرة بالدراسة، أضغط على خانة الاشتراك واملأ البيانات. 

صوت الكرازة بالإنجيل

Voice of Preaching the Gospel
PO Box 15013
Colorado Springs, CO 80935
Email: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
Fax & Tel: (719) 574-6075

عدد الزوار حاليا

116 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

إحصاءات

عدد الزيارات
4194138