Voice of Preaching the Gospel

vopg

في أمسية شديدة البرودة وحالكة الظلام من أمسيات الشتاء، كان بعض الرعاة يبيتون في العراء

يحرسون حراسات الليل على رعيَّتهم حفاظًا عليها من الذئاب الخاطفة واللصوص المنتظرين فرصة نوم الرعاة أو ابتعادهم عن الرعيّة لسرقتها؛ ولا شك أن الرعاة كانوا يتحدّثون مع بعضهم البعض حتى لا يشعروا بالملل من طول الليل. ولسنا ندري في أيِّ الموضوعات كانوا يتحدّثون، هل كانوا يتحدّثون في صميم عملهم الشاقّ الذي تحفّه الأخطار من كلِّ جانب؟
أم كانوا يتحدّثون عن الحالة العامة للشعب الذي كان يرزح تحت الاستعمار الروماني والذي جعل قلوبهم مكسورة وحرِّيّتهم غير مكفولة وتحرّكاتهم في حدود، مما جعل لسان حال كلّ واحد منهم ترديد لكلمات إرميا التي نطق بها في مراثيه: "اُذْكُرْ يَا رَبُّ مَاذَا صَارَ لَنَا. أَشْرِفْ وَانْظُرْ إِلَى عَارِنَا. قَدْ صَارَ مِيرَاثُنَا لِلْغُرَبَاءِ. بُيُوتُنَا لِلأَجَانِبِ".
وفيما هم يتحدّثون، "وَإِذَا مَلاَكُ الرَّبِّ وَقَفَ بِهِمْ، وَمَجْدُ الرَّبِّ أَضَاءَ حَوْلَهُمْ، فَخَافُوا خَوْفًا عَظِيمًا. فَقَالَ لَهُمُ الْمَلاَكُ: لاَ تَخَافُوا! فَهَا أَنَا أُبَشِّرُكُمْ بِفَرَحٍ عَظِيمٍ يَكُونُ لِجَمِيعِ الشَّعْبِ: أَنَّهُ وُلِدَ لَكُمُ الْيَوْمَ فِي مَدِينَةِ دَاوُدَ مُخَلِّصٌ هُوَ الْمَسِيحُ الرَّبُّ. وَهذِهِ لَكُمُ الْعَلاَمَةُ: تَجِدُونَ طِفْلاً مُقَمَّطًا مُضْجَعًا فِي مِذْوَدٍ. وَظَهَرَ بَغْتَةً مَعَ الْمَلاَكِ جُمْهُورٌ مِنَ الْجُنْدِ السَّمَاوِيِّ مُسَبِّحِينَ اللهَ وَقَائِلِينَ: الْمَجْدُ للهِ فِي الأَعَالِي، وَعَلَى الأَرْضِ السَّلاَمُ، وبالنَّاس المسرَّة". (لوقا 10:2-14) وللفائدة أقود أفكاركم في ثلاثة أمور:

أولاً: تبشير
"لا تخافوا! فها أَنا أُبشِّركمْ بفَرَحٍ عَظيمٍ يَكون لجميع الشَّعب: أَنَّهُ وُلِدَ لَكُمُ الْيَوْمَ فِي مَدِينَةِ دَاوُدَ مُخَلِّصٌ هُوَ الْمَسِيحُ الرَّبُّ".
هذه أعظم بشارة سَمِعَتها وتسمعها أذنا إنسان! بُشِّر إبرهيم بابن الموعد إسحاق، وبُشِّر إسحاق ورفقة بيعقوب وعيسو، وبُشِّرت زوجة منوح بشمشون، وبُشِّر زكريا الكاهن بيوحنا؛ هذه كلّها بشائر شخصيّة ولكن بشارة الملاك للرعاة مختلفة كل الاختلاف. فهي خاصة وعامة في آنٍ واحد.
ترى، ماذا كان شعور الرعاة بعد انتهاء الملاك من رسالته؟ لا شكّ أنهم امتلأوا بالأفراح واستراحت واطمأنّت قلوبهم إذ احسّوا أن هذا المولود سيكون له شأن عظيم، ووثقوا أنه هو الذي تدور حوله النبوءات الكثيرة في أسفار العهد القديم مثل "هُوَذَا الْعَذْرَاءُ تَحْبَلُ وَتَلِدُ ابْنًا، وَيَدْعُونَ اسْمَهُ عِمَّانُوئِيلَ"، "لأَنَّهُ يُولَدُ لَنَا وَلَدٌ وَنُعْطَى ابْنًا، وَتَكُونُ الرِّيَاسَةُ عَلَى كَتِفِهِ، وَيُدْعَى اسْمُهُ عَجِيبًا، مُشِيرًا، إِلهًا قَدِيرًا، أَبًا أَبَدِيًّا، رَئِيسَ السَّلاَمِ"، "رُوحُ السَّيِّدِ الرَّبِّ عَلَيَّ، لأَنَّ الرَّبَّ مَسَحَنِي لأُبَشِّرَ الْمَسَاكِينَ، أَرْسَلَنِي لأَعْصِبَ مُنْكَسِرِي الْقَلْبِ، لأُنَادِيَ لِلْمَسْبِيِّينَ بِالْعِتْقِ، وَلِلْمَأْسُورِينَ بِالإِطْلاَقِ". لقد رأوا فيه سدًّا لكلِّ احتياجات البشريّة، ورأوا فيه من سيرفع أثقال البشر وعلى رأسها ثقل الخطيّة؛ ذلك الحمل الذي يرزح البشر تحته بعد أن أثقل كاهلهم وأدمى قلوبهم.
ويعجبني أن الرعاة لم يتناقشوا في هذه البشارة وذلك لأنهم آمنوا بها بكلّ قلوبهم إذ لا يمكن أن الملائكة تقدِّم بشارة مشكوكًا فيها. كانت هذه البشارة هي الخبر الطيِّب الذي سمَّن عظامهم، وكانت بالنسبة لهم كتفاح من ذهب في مصوغ من فضة.
السؤال الذي يفرض نفسه علينا هو: لماذا اختار الله الرعاة دون غيرهم؟
لا شكّ لأنهم كانوا أكثر الناس مخافة للرب وأكثرهم استعدادًا لتصديق الخبر. ألم يقل الوحي: "سرُّ الربّ لخائفيه"، و"أَمَّا سِرُّهُ فَعِنْدَ الْمُسْتَقِيمِينَ"؟

ثانيًا: تنوير
قال الملاك: "لا تخافوا! فها أَنا أُبشِّركمْ بفَرَحٍ عَظيمٍ يَكون لجميع الشَّعب: أَنَّهُ وُلِدَ لَكُمُ الْيَوْمَ فِي مَدِينَةِ دَاوُدَ مُخَلِّصٌ هُوَ الْمَسِيحُ الرَّبُّ". ولو توقّف الملاك عند هذا الحد لأصبح الأمر غامضًا ومبهمًا لأنه لا شك أنه وُلد في ذلك اليوم في بيت لحم أطفال كثيرون، فأي مولود منهم هو المقصود بالبشارة؟ ولكن الملاك واصل كلامه قائلاً: "وهذه لكم العلامة". وهنا اشرأبّت أعناق الرعاة واستعدّت آذانهم للاستماع وكلّهم شوق ليعرفوا ما هي العلامة. وواصل الملاك حديثه وقال: "تجدون طفلاً مقمّطًا مضجعًا في مذود". وهنا تخيّلت أن كلّ واحد من الرعاة أخذ ينظر للآخر في قمة الاندهاش وهو يردّد في داخله "في مذود"!؟
لو فكّر الرعاة بالمنطق البشري لرأوا مدى التناقض بين موضوع البشارة "مخلّص هو المسيح الربّ"، وبين العلامة "مُقمّطًا مُضجَعًا في مذود"! ولكنني مُعجب بهؤلاء الرعاة الذين لم يتناقشوا في هذه العلامة ولم يتعرّضوا لها من قريبٍ أو بعيد بل قبلوا الأمر لأنّه كان من عند الربّ. ويظهر ذلك في قولهم بعد أن مضت الملائكة عنهم إلى السماء: "لِنَذْهَبِ الآنَ إِلَى بَيْتِ لَحْمٍ وَنَنْظُرْ هذَا الأَمْرَ الْوَاقِعَ الَّذِي أَعْلَمَنَا بِهِ الرَّبُّ". يا للدهشة! ويا للغرابة! ربُّ المجد الذي له السماوات والأرض، المسكونة وكلّ الساكنين فيها يولد ويُقمَّط ويُضجع في مذود! إن في ذلك قمة إخلاء النفس! "الَّذِي إِذْ كَانَ فِي صُورَةِ اللهِ، لَمْ يَحْسِبْ خُلْسَةً أَنْ يَكُونَ مُعَادِلاً ِللهِ. لكِنَّهُ أَخْلَى نَفْسَهُ، آخِذًا صُورَةَ عَبْدٍ، صَائِرًا فِي شِبْهِ النَّاسِ". فقد وُلِد وأُضجع في مذود إذ لم يكن له موضع في المنزل.

ثالثًا: تقدير
ولما مضت عنهم الملائكة إلى السماء قال الرجال الرعاة بعضهم لبعض: "لِنَذْهَبِ الآنَ إِلَى بَيْتِ لَحْمٍ وَنَنْظُرْ هذَا الأَمْرَ الْوَاقِعَ الَّذِي أَعْلَمَنَا بِهِ الرَّبُّ". لا شك أن معطلات كثيرة اعترضت طريقهم:
على من يتركون رعيَّتهم؟ إذا تركوها، فسوف ينتهز اللصوص فرصة عدم وجودهم ويسرقونها. أو قد تهجم عليها الذئاب الخاطفة وتفترسها، إذ كانوا في موقف لا يُحسدون عليه.
وماذا عن الظلام الدامس؟ فالطرق ليست سهلة ومعبّدة. أليس من الأفضل الانتظار حتى الصباح؟
أيضًا، كان البرد قارسًا وشديدًا وليس معهم عنوانًا واضحًا، ولكن كلّ هذه المعطّلات لم تقف حائلاً بينهم وبين الذهاب. فقد أخذوا الخطوة الأولى في الطريق إلى بيت لحم معتمدين على الربّ. كانوا واثقين بأنه سيقودهم إلى حيث وُلد المسيح.
إن ذهاب الرعاة إلى بيت لحم يختلف عن ذهاب المجوس. فالمجوس قادهم نجم وقف فوق حيث كان الصبي، لكن الرعاة لم يهدهم نجم لكن هداهم روح الرب! ولما وصلوا وجدوا مريم ويوسف والطفل مضجعًا في مذود. لم يقل الكتاب "ولما رأوهم"، بل "ولما رأوه"، أي الطفل. نعم يا أحبائي، يجب أن يكون نظرنا مركَّزًا على الرب يسوع وحده الذي عندما ننظر إليه يتمّ فينا القول: "نظروا إليه واستناروا ووجوههم لم تخجل".
"فَلَمَّا رَأَوْهُ أَخْبَرُوا بِالْكَلاَمِ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ عَنْ هذَا الصَّبِيِّ. وَكُلُّ الَّذِينَ سَمِعُوا تَعَجَّبُوا مِمَّا قِيلَ لَهُمْ مِنَ الرُّعَاةِ... ثُمَّ رَجَعَ الرُّعَاةُ وَهُمْ يُمَجِّدُونَ اللهَ وَيُسَبِّحُونَهُ عَلَى كُلِّ مَا سَمِعُوهُ وَرَأَوْهُ كَمَا قِيلَ لَهُمْ".
عزيزي القارئ، هل تمتّعت بخلاص الرب؟ إن كنت كذلك فإنّي أهنِّئك من كل قلبي، وإن كنت إلى الآن لم تخلص، أشير عليك أن تعترف له بخطاياك وتؤمن به إيمانًا قلبيًّا فتخلص. "آمِنْ بِالرَّبِّ يَسُوعَ الْمَسِيحِ فَتَخْلُصَ أَنْتَ وَأَهْلُ بَيْتِكَ". آمين.

المجموعة: كانون الأول (ديسمبر) 2024

logo

دورة مجانية للدروس بالمراسلة

فرصة نادرة تمكنك من دراسة حياة السيد المسيح، ودراسة حياة ورسائل بولس الرسول. عندما تنتهي من هاتين الدراستين تكون قد أكملت دراسة معظم أسفار العهد الجديد. تتألف كل سلسلة من ثلاثين درسًا. تُمنح في نهاية كل منها شهادة خاصة. للمباشرة بالدراسة، أضغط على خانة الاشتراك واملأ البيانات. 

صوت الكرازة بالإنجيل

Voice of Preaching the Gospel
PO Box 15013
Colorado Springs, CO 80935
Email: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
Fax & Tel: (719) 574-6075

عدد الزوار حاليا

538 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

إحصاءات

عدد الزيارات
11759656